من تونس إلى مصر: سبقناكم فعلمتمونا
جاسر الجاسر

جاسر الجاسر

حتى الآن تونس هي الوحيدة الناجية من حرائق الربيع العربي، بل إنها تتقدم نحو ديموقراطية متماسكة متكئة على الإرث العظيم الذي أنشأه الحبيب بورقيبة حين رسّخ الهوية المدنية لمجتمعه، فأصبح عصياً على الاستقطاب وإن خُدع بعض الوقت ظناً منه أن الديموقراطية والثورة تستدعيان إنصاف صوت مخنوق هو حركة «النهضة»، ثم صدّ عنها بعد اكتشاف خيبتها وعجزها عن إدارة الدولة على رغم خطابها المبشر حين كانت في ظل المعارضة.

 

 

أبناء بورقيبة عادوا إليه ممثلاً في حزب «نداء تونس» وانتخاب السبسي رئيساً لينفضوا أيديهم مرتين من أصوات أرادتهم حصاناً تمتطيه وصولاً إلى كرسي السلطة أياً كان الثمن. هذا الرد العنيف عن «النهضة» يتسق مع الطرح المتواصل أن الإسلام السياسي مجرد خطاب منبري ينمو في الظل والمخالفة، لكنه إن وصل إلى السلطة قتل الحصان الذي أوصله، واستنكر الديموقراطية التي منحته الفرصة كاملة، واحتجز كل السلطة لنفسه لأنه يجهل طرائق السلطة ولا يرى غير مرآة نفسه، مقدماً الولاء على الكفاءة تماماً كما حدث في مصر أيام الرئيس مرسي أو ما يحدث في غزة من هيمنة «حماس» وتقديمها مصلحة تيارها على منفعة الفلسطينيين وضمان حقوقهم.

 

 

صحيح أن زين العابدين بن علي استحوذ على السلطة لكنه لم يستطع إخماد النزعة الفردية العالية وإقصاء التكوين المدني، فكان سقوطه مريعاً وسريعاً على رغم سطوته الأمنية الخانقة، وتكرر هذا المصير لكل من حاول استتباع دربه والحلول مكانه.

 

 

تختلف «النهضة» عن مثيلاتها من جماعات الإسلام السياسي في كونها تونسية، فاتجهت تبعاً لرؤية الجماعة الأم إلى التقرب من التونسيين البورقيبيين ومداهنتهم بالتنازل عن كثير من الأطروحات التقليدية للجماعة، حتى أوشكت أن تكون حزباً مدنياً لولا أنها رجعت لعادتها الأصيلة حين تنسمت روائح السلطة وتحسست كرسيها، فظنت أن زمن التلون قد انتهى وآن لها أن تمد قدميها وتستعيد عباءة الجماعة لتكون بشارة خير وبداية الانطلاق لدعم إخوانها في البلدان الأخرى، لكن الرمال المتحركة للشعب العنيد شلت نشاطها لتنزلق في سلسلة من الأخطاء أعادتها إلى الظل مرة أخرى من دون تلك الصورة النقية التي كانت عليها قبل نهايات 2010.

 

 

المنصف المرزوقي ديموقراطي أصيل ومعارض شرس، وقع في الخطأ ذاته وانساق مع النبرة الأعلى، فتحالف مع «االنهضة» باعتبارها الشريك في الاستحقاق، فكان رئيساً يصرخ بالديموقراطية في أذن صماء ثم تأخر في اكتشاف خطئه فاتكأ عليها لتمنحه فترة رئاسية أخرى فلم يكتشف خطأه إلا بعد حسم الانتخابات الرئاسية، ولم ينفعه الدعم المبطن للحركة وتصويتها له لعله يكون آخر أصابعها للبقاء في السلطة، بل ربما كان السبب في ابتعاد الناس عنه، فلم يكونوا ليخرجوا «النهضة» من الباب لكي تتسلل إليهم من النافذة.

 

 

صححت تونس تجربتها الخاطئة من خلال الممارسة والرنو إلى الحالة المصرية والتعلم من مجرياتها، فأدركت أن طريقها مسدود ما لم تقتلع الصخرة المعترضة لتكمل رحلتها بالعودة إلى جذرها البورقيبي عبر الاستعانة بمريديه لعلها تنجو من خطر يقربها إلى اليمن وليبيا ويشعل صراعاً تترصد بوادره الجماعات الإرهابية.

 

 

المجتمع المدني لا يرتضي الطاعة العمياء، ولا يقبل مسيرة القطيع، ولا يتنازل عن حقوق أصيلة اكتسبها عبر عقود، وهذا ما يجعل تونس مختلفة حتى في هوية إسلامها السياسي!.

 

(61)

اقرأ أيضاً
أخر الأخبار