حصـاد الثـورة
محمد حسن مفتي

محمد حسن مفتي

تمر علينا هذه الأيام الذكرى الرابعة لاندلاع شرارة ثورات الشقاء العربي المعروفة خطأ بالربيع العربي، والتي بدأت بزخم إعلامي مضلل عن بدء تدشين عصور جديدة من الشفافية والإصلاح الاقتصادي واحترام حقوق المواطنين وإرساء دعائم دولة القانون، وهو ما بدا للوهلة الأولى حلما ورديا داعب مخيلة مواطني العديد من دول العالم الثالث، ولعله من المفيد أن نقف قليلا لنستقرئ الأحداث ونستخلص العبر من الشعوب العربية التي مرت بتلك المحنة، حيث سيلمس المتتبع للأحداث ترديا ملموسا لها على جميع الأصعدة، لعل أسوأها وأكثرها مرارة على الإطلاق هو سوء الأحوال المعيشية لمواطني تلك الدول، التي انهارت بنيتها الأساسية وتوقف تمويل مشروعاتها، وارتفعت نسب البطالة فيها بشكل مخيف، وتراكمت ديون ثقيلة على حكوماتها المتعاقبة المتقلبة نتج عنها ارتفاع هائل في نسب التضخم وغلاء الأسعار، بحيث عجز المواطنون عن تلبية احتياجاتهم واحتياجات أسرهم وأطفالهم الأساسية والبسيطة من السلع والخدمات، وهو ما أدخل تلك البلاد في دوامة من الركود الثقيل الناتج عن تدني القوة الشرائية وانعدام الاستثمارات وانهيار الدولة ككل.

وإن كان تردي الأوضاع الاقتصادية وسوء أحوال المواطنين هو الأسوأ، فإن الأوضاع الاجتماعية والإنسانية هي الأكثر ألما والأشد معاناة، فلهيب تلك الثورات شتت ألوف الأسر واقتلعها من جذورها وألقاها بعيدا في مخيمات صحرواية خالية من أدنى مستلزمات المعيشة الضرورية، هذا بخلاف أعداد القتلى المرعبة، وهو ما نتج عنه تشريد وانتهاك أعراض وأعداد لا حصر لها من اليتامى والثكالى والأرامل، فلا توجد أسرة إلا ولها مصاب أو شهيد.

أما أخطر تداعيات تلك الحراكات الثوريـة المشؤومة، فهو الجانب الأمني، فبين ليلة وضحاها في عمر التاريخ أصبحت منطقتنا الإقليمية تعج بفئات شتى من الانتحاريين والجهاديين والإرهابيين المتطرفين، ممن لا يعرفون سوى لغة القتل والذبح والتفجير والخطف، وقد خرجت جميع هذه الجماعات المتعددة والفصائل المتنوعة من رحم تلك الثورات، وباتت تشكل خطرا إقليميا وعالميا يهدد كافة أرجاء المعمورة، وقد نتج وجودهم عن تفكيك ترسانة أسلحة الدولة التي اضمحلت وتفكك جيشها وتبعثرت معداتها العسكرية، أضف إلى ذلك دخول أطراف عديدة ساحة المعارك لتصفية حساباتها الخاصة، فبات السلاح في يد الجميع دونما ضابط أو رقيب، وتحولت الثورات إلى حروب أهلية، فساءت الأحوال الأمنية وانهارت هيبة الدولة، وأضحى الجميع في حالة قلق وترقب بسبب انفراط عقد أجهـزة الدولة الأمنية التي كانت تحكمها من قبل.

أما على المستوى الحضاري، فقد استهلكت تلك الدول ما سعت لبنائه خلال تاريخها الثقافي والعمراني، فقد فقدت احتياطياتها الاقتصادية وسمعتها السياحية التاريخية واستقرارها الأمني وميزاتها النسبية، وباتت في نظر العالم أجمع بؤر صراع ونزاع واضطراب يتعذر علاجها ولا يرجى شفاؤها. ولعله من نافلة القول أن نذكر أن سقوط دولة من الدول في مرحلة صراع، فإن ذلك يعني سلسلة متتالية من الصراعات الأكبر حجما والأشد ضراوة، فعلى سبيل المثال يؤدي تردي الأحوال الاقتصادية في بلد ما لانتشار الجرائم الأمنية به، والتي قد تؤدي لظهور الإرهاب الذي يرغم السكان بدوره على النزوح لأماكن أخرى أكثر أمنا، وبنزوح السكان لمناطق غير مؤهلة للسكنى تتفاقم مشكلات تعليمية وصحية، وبازدياد تلك المشكلات يتولد التطرف الذي يفرخ الإرهاب، وهكذا دواليك حتى نجد العقد وقد انفرط كله، فبسقوط جهاز من أجهزة الدولة تتداعي بقية الأجهزة الأخرى معه، مما يعني في النهاية سقوط الدولة بأكملها.

ويبقى السؤال الأكثر جدلا مطروحا في نهاية هذا المقال، وماذا عن المكتسبات السياسية؟ هل تحقق منها شيء؟، هل تغيرت أنظمة الحكم بطريقة تراجيدية وجوهرية؟، هل نتج عن تغيرها مخرجات إيجابية؟، ما الذي قدمته الثورة للحالمين بها؟. ولا شك أن الإجابة هي أن أقصى ما تحقق هو تعافي بعض النظم القديمة وعودتها للحياة آمنة مطمئنة مرة أخرى بنفس الوجوه وذات الألقاب، أما ما تحقق فعليا من تلك الثورات فهو المزيد من القمع واضطهاد الحريات وانتهاك الأعراض، والقتل وسفك الدماء والتشريد، وهو ما يعني أمرا واحدا وهو أن المنطقة الإقليمية رزحت لما يقارب الأعوام الأربعة تحت وهم مضلل وإعلام زائف، وانزلقت لهوة عميقة لا يعلم مداها ولا كيفية اجتيازها إلا الله وحده.

 

(47)

اقرأ أيضاً