الدكتور عبدالرحمن الوابلي .. جرأة استثنائية إلى الرمق الأخير
ee8e050f46

صحيفة وصف : عام مضى بلا أنفاس الدكتور عبدالرحمن الوابلي، ودون أن يخطفه الغياب من ذاكرة الشغوفين بكتاباته والمنتمين لأسلوبه، بعد أن رسخ فيها بإرثه الأدبي الجريء وطرحه العميق الذي حرك به الساكن من القضايا واسأل أحبار الناقدين والناقمين والمعجبين على حد سواء، فالقضايا التي اعتاد الوابلي إثارتها في حياته لا تحتمل التماس مع حدود التمييع أو اللا مباشرة، فكان نقده جريئاً إلى حد جعله أحد المؤثرين في الإعلام والمجتمع.

الوابلي الذي فقدناه في الخامس والعشرين من مارس سنة 2016، كان قامة من إعلامها في مجال التأريخ والكتابة الصحفية الجريئة والتأليف الدرامي ممن يصعب تعويضهم لجهة قول الكلمة الشفافة الصادحة، والتفاعل الجاد مع هموم المجتمع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، والوقوف في وجه التيار المتشدد الساعي لفرض أجنداته الظلامية العقيمة، لم يكن الدكتور عبدالرحمن بن محمد بن يوسف الوابلي (أبوجهاد) مجرد كاتب عادٍ طرق أبواب الصحافة السعودية من أجل الشهرة والانتشار أو المال عبر كتابة مقال هنا وعمود هناك.

وإنما كان من الذين نذروا أنفسهم للإصلاح والارتقاء بمجتمعاتهم، وبذر بذور الفكر التنويري العقلاني فيها والتصدي بالمنطق والعقل لما لا يقبله العقل في القرن الحادي والعشرين من طروحات وآراء التيار المتشدد المتجهم.

وعلى الرغم من نيران التكفير والإلحاد التي أطلقت عليه من كل حدب صوب، والانتقادات الشرسة التي وجهت إليه عبر المنابر الدينية ووسائل الإعلام القديمة منها والحديثة، إلا أنه صمد وقاوم ومضى دون تراجع يسانده ويدعمه طيف واسع من الجمهور السعودي، ممن وجدوا فيه وفي أعماله الدرامية النقدية وكتاباته الصحفية لسان حالهم، بدليل ما أثاره نبأ وفاته من حزن في صفوفهم، وما تسبب فيه من تغريدات على مواقع التواصل الاجتماعي لم يحظ بها أحد قبله.

نشأته ومسيرته العلمية: ولد الوابلي بحي الصناعية في مدينة بريدة بإقليم القصيم في العاشر من أكتوبر 1958، ابن عائلة نالت قدرا من العلم.

فوالده كان يقرأ ويكتب ويعرف شيئا من الإنجليزية، ووالدته كانت مغرمة بالنشاط الاجتماعي ضمن دائرة الأهل والأقارب، وأعمامه كانوا يعملون في التدريس.

ولهذه الأسباب كان بيت العائلة لا يخلو من الصحف والمجلات والكتب السعودية والمصرية التي فتح الوابلي عينيه عليها منذ سنواته المبكرة.

وبعد مراحل الدراسة الابتدائية والإعدادية والثانوية التي أتمها جميعها في مسقط رأسه ببريدة، التحق بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالقصيم التي حصل منها في عام 1982 على درجة البكالوريوس في التاريخ الإسلامي.

ثم ذهب إلى الولايات المتحدة لإكمال تعليمه، فنال درجة الماجستير في التاريخ الأوروبي من جامعة مدينة إيمبوريا الحكومية Emporia State University بولاية كانساس في الغرب الإمريكي الأوسط.

وحينما عاد إلى الوطن التحق بكلية الملك خالد العسكرية بالرياض وعمل بها معيدا، قبل أن يحصل منها في عام 1997 على بعثة دراسية إلى الولايات المتحدة لنيل درجة الدكتوراه، التي نالها بالفعل من جامعة شمال تكساس University of North Texas في التاريخ العسكري.

لم يكتف الرجل بتلك الدرجات الجامعية العالية، فأضاف إليها درجة دكتوراه ثانية في التاريخ العربي، نالها هذه المرة في عام 2000 من جامعة بلاده الأقدم «جامعة الملك سعود» بالرياض.

وبسبب هذه التخصصات التاريخية حظي الوابلي بعضوية عدد من الجمعيات مثل: الجمعية التاريخية السعودية، الجمعية التاريخية الأمريكية، جمعية التاريخ العسكري الأمريكي.

الغربة وعلاقتها بشخصيته خلال عمله الأكاديمي في كلية الملك خالد العسكرية بالرياض: مارس الوابلي الكتابة الصحفية من خلال صحيفة الوطن السعودية، وحاضر في الشؤون السياسية والاجتماعية والثقافية، قبل أن يقتحم مجال كتابة الدراما التلفزيونية بتأليف العديد من حلقات مسلسل «طاش ما طاش» للفنانين ناصر القصبي وعبدالله السدحان، ومعظم حلقات مسلسل «سيلفي» لناصر القصبي، وهما مسلسلان زلزلا الدنيا ووضعا الدراما السعودية على سكة الانتشار بثبات، كما هو معروف.

ويمكن القول إن سنوات دراسة الوابلي في الولايات المتحدة منحته أشياء أخرى غير الشهادات الأكاديمية.

ففيها تعززت لديه بعض القيم النبيلة التي رافقت شخصيته منذ صباه مثل قيم «الصدق ومحبة الناس ومساعدة ذوي الحاجة» بحسب تعبير أخيه عبدالله الوابلي، الرئيس السابق للجمعيات السعودية التعاونية.

كما أن التغرب في تلك البلاد البعيدة المتقدمة في علومها وقوانينها ومظاهر حياتها العصرية ساهمت في احتكاكه بأطياف من الثقافات المختلفة، وبالتالي كان لهذا الاحتكاك والتمازج والمعايشة دورا في تكوين شخصيته المستقلة برأيها، المعتمدة على العقل في تشخيص الأمور، القادرة على إقناع الآخر المختلف بالمنطق والحوار، لا بالشتم والتخوين والتكفير.

معاركه مع المكفرين والمتشددين: لم يكن غريبا أن يحدد الوابلي عناوين معاركه بنفسه، وأن يختار لها السلاح المناسب أيضا ممثلا في الكلمة الصريحة المباشرة والعمل الدرامي الهادف إلى غرس قيم نبيلة مثل الوحدة الوطنية وتجاوز الصراعات الطائفية والمذهبية والقبلية ونبذ الإقصاء والكراهية، أو الهادف إلى الدفاع عن حقوق المرأة في وجه التسلط الذكوري والتهميش المجتمعي، أو الساعي إلى تسليط الضوء على أهم التحديات التي تواجه المجتمع السعودي.

وكان من الطبيعي لمن يحمل هكذا لواء أن يتهم بـ «الليبرالية»، التي هي مرادفة للإلحاد في عرف المتشددين والظلاميين، لكن الوابلي كانت لديه شجاعة الاعتراف بأنه ينتمي للتيار الليبرالي، مثلما كان يملك شجاعة انتقاد هذا التيار.

وهكذا خاض الرجل المعركة تلو المعركة من فوق صفحات الجرائد وعانى طويلا من أذى ذوو القربى وأقلامهم المسمومة، لكنه كان مبتسما على الدوام، كما لو كان مقتنعا بأن أفكار معارضيه إلى زوال مع مرور الأيام، وأن الذي سيبقى هو الوطن.

فقد كان مقتنعا أنه يعمل من أجل خير وطنه وأمنه وسعادة أهله وناسه، بدليل أن آخر تغريداته قبل وفاته وردت فيه عبارة: «حفظ الله وطننا من كل مكروه».

صراحة أنيقة وجدال راق: كان الوابلي عفيف اللسان لا يطعن في ذوات مخالفيه ولا يجرحهم بألفاظ نابية.

وبعبارة أخرى، كان واضحا صريحا إلى أبعد الحدود مع الالتزام بأدب الجدال الراقي.

و«كان رحمه الله يدعو لمن يسيء إليه بالرحمة والهداية، ويتمنى له سعة البصيرة، مرددا دعاء: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».

غير أن الطرف الآخر ما كانت نفسه التواقة للانتقام أن تهدأ دون الدعاء عليه.

فهذا هو منهجه المتبع مع كل مخالف له في الرأي، إلى حد أنه لا يتردد في قول أن مرض فلان أو علان من خصومه، ومن ثم وفاته هو بسبب دعائه المتواصل عليه، كما لو أن «مفاتيح الموت والحياة معلقة في بيوتهم، والمرض والشفاء في جيوبهم» بحسب تعبير الزميل محمد الساعد في “عكاظ” (28/3/2016).

لقد فعلوا ذلك مع الراحل الكبير غازي القصيبي ومع الفنان طلال مداح في السعودية، ومع الدكتور أحمد الربعي والدكتور أحمد البغدادي في الكويت، بل غردوا على مواقع التواصل الاجتماعي شامتين في موتهم.

(1)

اقرأ أيضاً