الدفء في شتاء القاهرة
حمود أبو طالب

حمود أبو طالب

في شتاء القاهرة انبثق فجأة دفء خاص وتحول الأمل المشوب ببعض الشك إلى ما يشبه الثقة التامة بأن الأمور تمضي في مسارها الجدي الذي لا يقبل المساومة أو الاختراق أو محاولات التعطيل والوقوف على حافة الخطر. قبل الزيارة المفاجئة لمبعوث خادم الحرمين الشريفين والمبعوث القطري مطلع هذا الأسبوع لمصر ولقائهما بالرئيس السيسي، عقدت ندوة عن العلاقات السعودية المصرية في جامعة عين شمس، وعرف من لا يعرف أن هذه العلاقة كانت استثنائية في خصوصيتها وجمالها حتى عبر مراحل الخلاف المؤقت، وهو الخلاف الذي اتضح أنه لم يقطع لقاءات ومشاورات وتعاون القادة في اللحظات الحرجة والمواقف الحاسمة. وبالطبع لم تكن الندوة لتخلو من رأي نشاز وضئيل بين ذلك الكم المتدفق من المشاعر الفياضة بين الحضور، مصريين وسعوديين، كتجسيد لروح الأخوة الأصيلة.

وقبل زيارة المبعوثين السعودي والقطري، وخلال لقاءات مع مثقفين وإعلاميين مصريين، كانت مبادرة خادم الحرمين الشريفين لجمع الشمل العربي، وعلى وجه الخصوص معالجة الوعكة الطويلة التي أصابت العلاقات المصرية القطرية، محورا رئيسا للنقاش الذي لم يكن يخلو من الشك والتوجس لدى البعض منهم بشأن عودة العلاقات إلى طبيعتها وإزالة الشوائب التي لحقت بها، وكان مرد ذلك استمرار أحد المنابر الإعلامية القطرية في تبني صوت الفصيل المناهض لاستقرار مصر وأمنها. وفي الوقت ذاته كان البعض الآخر من الذين يفكرون بموضوعية يملؤهم التفاؤل بأن الأمور ستتحسن وتحتاج فقط لبعض الوقت والصبر، وبين الرأيين هناك من يقف في المنطقة الوسطى معتقدا بأن كل الاحتمالات واردة، الحسن منها والسيئ.

فجأة تحول الجميع بانتقالهم إلى منطقة التفاؤل الكبير والثقة بأن ملف الخلاف يطوي صفحاته الأخيرة بعد وصول المبعوثين، وتأكد من كان لديه توجس أن عبدالله بن عبدالعزيز لم يطلق مبادرته كشكل من أشكال الدبلوماسية لا أكثر، وإنما كمشروع واجب التنفيذ نظرا لضرورته وأهميته وحتمية إنجازه حفاظا على الأمن القومي العربي وتجنيبه الأخطار الحقيقية التي تنتظر الانقضاض عليه. تحول الشارع المصري بكل مكوناته إلى حالة من البهجة عنوانها المزيد من الإكبار والإجلال لصاحب الضمير العربي الناصع الذي لا يقبل الفرجة على أمة يهددها الوهن والتآكل. وها هي قطر الشقيقة تقدم عربون ثقة ومصداقية بإغلاقها قبل أمس قناة استمرت تضرب إسفين الخلاف مع الشقيقة الكبرى مصر، والأمل أن تتسارع الخطوات التي تعزز الإخاء والتلاحم للحفاظ على البقية الباقية من الآمال في وطننا العربي الذي تنهار بعض أجزائه.

(51)

اقرأ أيضاً