“إخوان” موسى وقوم فرعون “الجدد”!
مصطفى الأنصاري
مصطفى الأنصاري

مصطفى الأنصاري

في بيان الأسبوع الماضي لجماعة “الإخوان المسلمين” الأم في مصر، أعاد المحررون له التاريخ إلى نحو 2500 عام، يوم كان بنو إسرائيل مستضعفون على أيدي الفراعنة، قبل أن يخرج ربيب البيت الفرعوني النبي موسى منقذاً ومخلصاً لقومه، وفق أحداث القصة الشهيرة الموثقة في العهد القديم وفي القرآن.

 

 

فبعد أن صور “الإخوان” المشهد الحالي في البلاد على أنه خلاف ما تعهده الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، نصحوا المناصرين له بأن يكونوا مثل “سحرة فرعون”، الذين عادوا إلى الحق “فور أن رأوا الآيات، ولم يستنكفوا أن يقال: غيروا موقفهم، بل ضحوا بمستقبلهم في بطانة فرعون، بل ضحوا بحياتهم في سبيل ما آمنوا به، لأن سلطان الحق والعدل تغشى نفوسهم، (…) فهل آن لكم أيها الوطنيون أن تعلنوها قوية واضحة: أنكم عائدون إلى ثورتكم، وملتحمون مع الأحرار…؟”.

 

 

وبهذا بدت الصورة واضحة، وهي أن “الإخوان” يمثلون موسى المبعوث من عند الله، وأن المناصرين للنظام السياسي الراهن في مصر من حزب فرعون وحاشيته، ممن سخط الله عليهم وأنزل بهم عقوبة رادعة، انتهت بإغراقهم في البحر، الذي ضربه موسى بعصاه فانفلق، قبل أن يطبق جانباه على الجند الفرعوني. وهذا ليس تأويلاً، فالبيان (منشور في موقع الجماعة الرسمي) حذر من لم يستجب داعيه، ولم يسلك سبيل الفرقة الناجية بمصير أهل القرى، ممن كذبوا “فأخذهم الله بما كانوا يكسبون”.

 

 

إلى هذا الحد إذن وصل “الانحطاط” الفكري بالجماعة الإسلامية الأقدم في تاريخ المسلمين الحديث، أن تزكي نفسها دينياً لترتقي الى درجة “النبوة”، وتحط من خصمها دينياً، لتحشره مع “رمز العصيان الأول” في الثقافة الإسلامية، فرعون.

 

 

ولو أن الخطاب انصرف إلى الرئيس أو زمرة الحكم معه لكان أهون، لكنه جعل كل المنتخبين للرجل من الشعب المصري، خلفاء لسحرة فرعون الذين جاروه في الضلالة، فلما أيقنوا بأن موسى مرسل من عند الله “قالوا إنا إلى ربنا منقلبون”. فمن الذي ينبغي أن ينقلب إليه المصريون إذا؟ ومن بيده عصا موسى الربانية؟ الجواب واضح.

 

 

لكن ما ليس واضحاً على ماذا تقاتل جماعة “الإخوان المسلمين”، ومن أجل ماذا؟ هل كانت مصر قبل أن ينشأ التنظيم دولة كافرة؟ بالتأكيد لم تكن. وهل زاد إسلامها ومحافظتها وتدينها بعد نجومية “الجماعة”؟ العكس هو الموثق. هل ازدهر الفكر والأدب والثقافة (مجال عمل الجماعة) في البلاد منذ قيام الجماعة إلى اليوم؟ هذا سؤال يحتاج إلى نقاش، لكن الذي نعرفه ان عظماء مصر ومفكريها وفلاسفتها، لم يكن أحداً منهم من صناعة “الإخوان”، حتى وإن مس بعضهم طائف عابر منها. نتحدث عن المازني وأمين والعقاد وطه والرافعي وقبل ذلك الأفغاني وعبده وآخرون.

 

 

إن الذي يقال عن تضخيم المحللين المعاصرين في الفكر الاسلامي لرؤى منظر “الإخوان” الراحل سيد قطب حول تكفير المجتمعات المسلمة، ربما يكون هو الآخر موضع نقاش، لكن الذي لا شك فيه بعد بيانهم الأخير، أنهم حين أخفقوا سياسياً يريدونها معركة دينية، لاعتقادهم ان كسبها أسهل.

 

 

الجماعة التي قامت على أثر رواد “عصر النهضة” الفكرية، وكانت ساحتها الاسلامية والعربية فقيرة إلى من يمضي على طريقتهم، أصبحت بعد نحو مائة عام من تاريخها، لا فكراً بنت، ولا نظريات فلسفية عميقة أنتجت، ولا حتى السياسة التي ولعت بها أخيراً أتقنت. فلم يبق لها إلا أن تشكل بهكذا بيان الذراع الأيمن لـ “داعش” وأخواتها، فتعيد مجتمع مصر والأزهر الذي علمها الإسلام، إلى الكفر والفرعونية! بعد هذا “الخرف الفكري”، بات القول القديم “حل الجماعة في حلها”، معقولاً.

 

 

لا يعني هذا أن المعركة السياسية في مصر، كان من تبع فيها العسكر مصيباً، ولا من انتخب فيها من قبل مرسي مخطئاً، ولا أن التعذيب أو القتل أو العنف من أي كان عدلاً. ولكن ما لا ريب فيه أن جماعة بهذا الفكر، لن تبلغ مجداً حتى وإن لعقت الصبر!

(74)

اقرأ أيضاً